هذه دعوتنا

الموقع الرسمي للكاتب الإسلامي سيد مبارك
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورالمنشوراتس .و .جبحـثالتسجيلدخول





الزوار من 4/2018
Hit Counter
صفحات الشيخ علي الانترنت












لرؤية الموقع بشكل مثالي استخدم متصفح
" برنامج فايرفوكس"


بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
من مؤلفات الشيخ المنشورة






من روائع مؤلفات الشيخ








شاطر | 
 

 كيف أتوب ؟(1)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الشيخ سيد مبارك

avatar


مُساهمةموضوع: كيف أتوب ؟(1)   الخميس 1 مارس 2018 - 9:39

كيف أتوب ؟(1)
أحبتي في الله علي مدي ثلاث حلقات نجيب علي هذا السؤال وعن أهم ثلاث حجج لأهل المعاصي لتسويف التوبة علي سبيل المثال لا الحصر ونبدأ الحلقة الأولي ونقول..

الحمد لله ربِّ العالمين، أشهد أنْ لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وعلى آله وصَحْبه ومَن تَبِعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:
كيف أتوب؟ سؤال يبحث عن إجابته كلُّ عاصٍ ضلَّ طريقَه، واتَّبع شيطانه ونفسه الأمَّارة بالسوء.
ورغم سهولة الإجابة، فإن من المستحيل طَرْحَها دون بيان حجج مَن ضلَّ طريقه، ويبحث عن تبرير لِمَا ارتكبه ويرتكبه من معاصٍ وذنوب لا يعلمها إلا الله تعالى وإليك أخي القارئ بعضًا من التبريرات أو الحجج الجوفاء، مع بيان زَيفها وضَحالتها قبل الشروع في الإجابة عن هذا السؤال، وسوف ألتزمُ في الردِّ عليها الْحِياد التامَّ في طَرْح الحجج من كلِّ جوانبها وعلاجها بموضوعيَّة، واضعًا نُصب عيني أنَّ الخير كل الخير في طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهذا لا يجادل فيه إلا مُكابر حَاقِد على الإسلام، وإنْ قال غير ذلك.

حجج وشبهات أهل المعاصي:
الحجة الأولى
يقول البعض أُريد أن أتوبَ ولكنَّ الناس لا ترحم، ولا يسامح بعضُهم بعضًا، وطَغَتِ المصالح الشخصيَّة والأطماع الخاصة على القِيَم والمبادئ وحُب الخير والتكافُل بين الناس، ومَن لَم يتعامل مع الناس بشدَّة وغِلْظة وسوء ظَنٍّ، فلا ناقة له ولا جَمل، وسوف يضيع حقّه، ومعاملة الناس بالحبِّ وحُسن الظنِّ بهم، وقَبول مَعذرتهم، كلها عوامل ضَعف في الشخصيَّة، ومثل هذا الإنسان سوف يَفترسُه الناس ويطمعون فيه، ويتعرَّض لسُخْريتهم وتَهكُّمهم، فكيف أتوب بعد ذلك؟!

ومَن الذي يحميني منهم إن لم أكنْ مثلهم؛ غَليظ القلب وسَيئ الظنِّ بهم، ثم ليس منا مَن هو في إيمان أبي بكر الصديق، أو قوَّة وشدَّة الفاروق عمر بن الخطاب في الحقِّ، أو وَرَع وحَياء عثمان بن عفان، ولا فِقه وذكاء عَلِي بن أبي طالب - رضي الله عنهم أجمعين - والرسول ليس معنا كما كان مع الصحابة يرشدهم إلى الخير، ويحرِّضهم على التنافُس فيه.

إننا باختصار ومجمل القول: أصبحْنا كالسمك الكبير يأكل الصغير، والغني يذلُّ الفقير، والقوي يُرهِب الضعيف، أصبحْنا نعيش للدنيا ونموت من أجْلها!! ومِن ثَمَّ لا بد كي أعيشَ أنْ أفكِّرَ بنفس الطريقة التي يفكر بها الناس، وأعاملهم كما يعاملونني؛ بلا شفقة أو رحمة، وإلا كنتُ تابعًا لهم، ذليلَ إرادتهم وحِقدهم...إلخ.

فكيف أتوب بعد ذلك؟!
الرد على الحجة الأولى:
بدهي أنَّ الناس لن تتَّفِقَ أهواؤهم، كما أنَّ التسامح والمحبَّة وإنكار الذات من أجْلهم لن يَصِلَ أبدًا للحالة التي كان عليها الصحابة والتابعين وتابعو التابعين، وهم خيرُ قرون الإسلام على الإطلاق، بدليل حديث عِمران بن حصين قال:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((خيرُكم قَرْني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم))، قال عمران: لا أدري ذَكر ثِنتين أو ثلاثًا بعد قَرْنه، ((ثم يَجيء قومٌ يَنذِرون ولا يَفُون، ويخونون ولا يُؤْتَمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويظهر فيهم السِّمَن))؛ أخرجه البخاري في الإيمان،6201.

ومِن ثَمَّ، نستطيع القول - بكلِّ يقينٍ وحِياد -: إنه ليس منَّا، ولن يكون مَن هو كأبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - الذي قال في حقِّه النبي صلى الله عليه وسلم: ((لو كنتُ مُتَّخِذًا من أهل الأرض خليلاً، لاتخذتُ ابن أبي قُحافة خليلاً، ولكنْ صاحبُكم خليلُ الله))؛ مسلم في الفضائل، 4394.

وليس منَّا، ولن يكون مَن هو مثل الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - الذي قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في حَقِّه: ((والذي نفسي بيده، ما لَقِيَك الشيطان قطُّ سالكًا فَجًّا، إلا سلَك فجًّا غير فَجِّك))؛ أخرجه مسلم في الفضائل، 4410.
وليس منَّا، ولن يكون مَن هو كعثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه - الذي قال النبي-صلَّى الله عليه وسلَّم - في حقِّه: ((ألا أستحيي من رجلٍ تستحيي منه الملائكة))؛ أخرجه مسلم في الفضائل، 4414.

وليس منَّا، ولن يكون مَن هو كعَلِيِّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه الذي قال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في حَقِّه: ((أنت منِّي بمنزلة هارون من موسى، إلاَّ أنه لا نبيَّ بعدي))؛ أخرجه مسلم في الفضائل، 4418.
وليس منَّا، ولن يكون رجلٌ أمين كأبي عبيدة بن الجراح، ولا شجاعٌ كسيف الله خالد بن الوليد، وغيرهما من الرعيل الأول من صحابة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم والتابعين مِن بعدهم، وتابعي التابعين الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 100].

ومِن ثَمَّ، فَلْنَرْضَ بما نحن عليه في زماننا هذا دون تفريطٍ في حقِّ الله علينا، ولنكيِّف حياتنا على الكتاب والسُّنة لا العكس.

نعم أقول بكلِّ ما في قلبي من حَسرة وأَلَمٍ، مُقرًّا ببعض هذه الحجج والتبريرات، وليس كلها:
إن الواقع الذي نعيشه يشهد بأن في كلام مَن يقول بذلك بعض الحقِّ، فقد تشتَّتتِ الأُمة وضاعتْ سِمتُها وشخصيَّتها، وصَار الدين مُجرَّدَ شعائر وطقوس، وأصبحت المبادئ تُباع وتُشترى لِمن يدفع أكثر، فلا انتماء لمبدأ ولا انتصار لحقٍّ، وإنما المال سيِّد الموقف، وقد مال بالناس عن الحقِّ والصواب، إلاَّ مَن عَصَمه ربُّ العِباد - سبحانه.

هذا على الجانب العام، أمَّا الجانب الشخصي، فحَدِّثْ ولا حَرَج، لقد صار المرءُ منَّا يتمنَّى لو كان أخوه لُقمة ليأكلَها هو، يقول: أنا وأنا والطوفان مِن بَعدي، واتَّخذ الشيطان حبيبًا وصديقًا، وولِيًّا مِن دون الله تعالى وقد تَملَّكَنا حُبُّ الدنيا واتِّباع الهوى، وطَغَى على تصرُّفات الكثير منَّا حُبُّ الذَّات والنرجسيَّة، والأنانية الخبيثة، وأصبحت المصلحة الشخصيَّة لها الأولويَّة، حتى لو كانتْ تضرُّ بمصلحة الجماعة، فلا اعتبار لهذا، ومِن ثَمَّ اختلط الحابل بالنابل، وصار المرءُ لا يدري أين الحقُّ، وأين الباطل؛ من كثرة التلبيس والتدليس!!

ولكن رغم كل ذلك، هل فات الأوان؟
الجواب قطعًا: لا؛ فلا يأْس من رحمة الله، ولا بد للشرِّ من نهاية، ولا بد من طلوع الفجر بعد ظُلمة الليل، والحلال بيِّن والحرام بَيِّن، والحق أحقُّ أن يُتَّبَعَ، وهنا مربط الفَرَس كما يقولون؛ قال تعالى:
﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ * لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ [الرعد: 17 - 18].

ومِن ثَمَّ فلا مَندوحَة من بيان الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، والخير من الشر؛ حتى لا يلتبسَ الأمرُ علينا، ونكتشفَ أين نَضَعُ أقدامَنا، فإن للطريق مَزالِقَ خَطِرة، والشيطان والنفس الأمَّارة بالسوء بالمرصاد لكلِّ جُهْد يُراد به تغييرُ النفس وتحصينها مما تحبُّ من شهوات الدنيا الْمُهْلِكة.

فلا غَرْو إذًا أن نتجاهلَ ونَصُدَّ وسوسة الشيطان، وحديث النفس إن خَالَفْنا أمر الله تعالى ورسوله، وعلاج هذه الحجة في الإيمان والإيمان فقط، وأقصد بالإيمان: الإيمان بالله، وأنه لا نافعَ ولا ضارَّ إلا هو - سبحانه وتعالى.
وهذا دواءٌ فعَّال، فلو آمَن وأيْقَنَ الإنسان بأنَّ غيرَه من المخلوقات لا يَملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، ولا حياة ولا موتًا ولا نشورًا.
أكرر قولي؛ لينتبِهَ صاحب الحجة: إن يقينَ الإنسان بأنَّ أمرَه في يد خالقه ورازقه ليدفعه قُدمًا إلى التمسُّك بتعاليم الكتاب والسُّنة، ولا يضرُّه اعتراض أهْل الأهواء والْجِدال العقيم، والفكر الريكاردي، الذي شعارُه: أنا أفكر إذًا أنا موجود!!

ولَيْتَ شِعري، كيف يجد الإنسان نفسه وهو خائف على رزقه وعمله، وعياله وحَشمه، ولا يخاف من أن يُسْلَب الإيمان، وتنقطع الصلة الروحيَّة بينه وبين الله - تعالى؟! ما الذي ينفع المرء إن أراد الناس جميعًا تدميره، وإغراقه في هُوَّةٍ ما لَها مِن قرارٍ بحجج واهية؛ لقَتْل عزيمته، وتَسْفيه فِكْره، ووَهْنِ إرادته قبل التمرُّد على مبادئهم وأصنام الشهوات التي وَقعوا أمامها هَلْكَى وصَرعى، فضلوا ضلالاً بعيدًا، ويظنون أنهم يُحسنون صُنعًا؟!

إنَّ من نعمة الله على الإنسان أن يُنيرَ بصيرته وهو غارق لأُذنيه في ظُلمة المعاصي، ويُعينه بنور الهداية على الْمُضِي قُدُمًا بلا مَللٍ أو كَلل في دروبها الشائكة، غير خائف أو واجلٍ، وكيف يخالج جوانِحَه خوفٌ وقد أبصرَ طوقَ النجاة على مَرْمَى البصر؟!
وكيف يتردَّد في سلوك الطريق القويم بعد أنْ عرف لسانُه حلاوةَ الذِّكْر، وامتلأ قلبُه بالخشية من ربِّه والإيمان بقُدرته وعَظَمته، والطَّمْأَنينة بقُربه ومناجاته، والثِّقة وحُسن الظنِّ برحمته وعَفوه؟!

قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ﴾ [الرعد : 28 - 29].

فهل مَن عرف حقيقة نفسه، وطَرَق فلاحها ونجاتها يتردَّد لَحظة في اتِّخاذ قراره؟ طبعًا لا، وإنما يسارع لسلوك الطريق الصعب؛ للخروج منه قبل أن تَجرِفَه عواصفُ المعاصي وتَبعاتُها، إن ظَلَّ يُمَنِّي نفسه بالنجاة دون أن يتَّخِذ العُدَّة للصمود، ويتأهَّب بما قَذَف الله به في قلبه في غَفلة مِن هواه وشيطانه، في لحظة تجلَّتْ له فيها عَظَمة الله وقُدرته، فاقْشَعرَّ بدنُه، وخَشَع لها قلبُه، وأدمعتْ من خشيته عيناه، وقد أفلح إن فازَ بالنجاة.

يقول ابن القَيِّم في كتابه "طريق الهجرتين وباب السعادتين" (1/ 43) ما مختصره:
"فإن مَن لَم تُولَد رُوحه وقلبُه، ويَخرج من مَشيمة نفسه، ويتخلَّص من ظُلمات طبعه وهواه وإرادته، فهو كالجنين في بطن أُمِّه الذي لَم يرَ الدنيا وما فيها.
فهكذا هذا الذي بعدُ في مشيمة النفْس، والظلمات الثلاث هي: ظُلمة النفْس، وظُلمة الطبْع، وظُلمة الهوى، فلا بد من الولادة مرَّتين؛ كما قال المسيح للحَوَاريين: إنَّكم لن تَلِجوا ملكوت السماء؛ حتى تُولَدوا مرَّتين؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم أبًا للمؤمنين؛ كما قراءة أُبَيّ: "النبي أَوْلَى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أبٌ لهم"؛ ولهذا تفرَّع على هذه الأُبوَّة أنْ جُعلتْ أزواجُه أُمَّهاتِهم، فإنَّ أرواحَهم وقلوبهم وُلِدَتْ به ولادة أخرى غير ولادة الأُمَّهات، فإنه أخْرَجَ أرواحَهم وقلوبَهم من ظلمات الجهل والضلال والغَي إلى نور العلم والإيمان، وفضاء المعرفة والتوحيد، فشاهدتْ حقائق أُخَر وأمورًا لم يكنْ لها بها شعورٌ قبله؛ قال تعالى: ﴿ الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ [إبراهيم: 1]، وقال: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الجمعة: 2]".

ثم قال - رحمه الله:
"والمقصود: أنَّ القلوب في هذه الولادة ثلاثة: قلبٌ لَم يولَد ولَم يَأْنِ له، بل هو جَنين في بطن الشهوات والغَي والجهل والضلال، وقلب قَد وُلِد وخَرج إلى فضاء التوحيد والمعرفة، وتَخلَّص من مَشيمة الطباع، وظُلمات النفس والهوى، فقرَّتْ عينُه بالله، وقرَّتْ عيونٌ به وقلوب، وأَنِسَتْ بقُربه الأرواح، وذَكَّرَتْ رؤيته بالله، فاطمأنَّ بالله وسَكَن إليه، وعَكَف بِهِمَّته عليه، وسافرتْ هِممُه وعزائمُه إلى الرفيق الأعلى، لا يقر بشيءٍ غير الله، ولا يسكن إلى شيء سواه، ولا يطمئنُّ بغيره، يجد مِن كل شيءٍ سوى الله عوضًا، ومَحبَّته قوَّته، لا يجد من الله عوضًا أبدًا، فذِكْرُه حياة قلبه، ورضاه غاية مَطلبه، ومَحبَّته قوَّته، ومعرفته أَنِيسه، عدوُّه مَن جَذَب قلبَه عن الله - وإن كان القريب المصافي - ووليُّه مَن ردَّه إلى الله وجَمَع قلبَه عليه - وإن كان البعيد المناوِيَ - فهذا قلبان متباينان غاية التبايُن، وقلب ثالث في البرزَخ ينتظر الولادة؛ صباحًا ومساءً، وقد أصبح على فضاء التجريد، وآنَسَ من خلال الديار أشعة التوحيد، تأبَى غَلبات الحبِّ والشوق إلاَّ تقرُّبًا إلى مَن السعادة كلُّها بقُرْبه، والحظُّ كل الحظ في طاعته وحُبِّه، وتأبَى غَلبات الطباع إلاَّ جَذْبة وإيقافه وتعويقه، فهو بين الداعين تارةً، وتارة قد قَطَع عَقبات وآفات، وبَقِي عليه مفاوز وفَلوات.

والمقصود: أنَّ صاحب هذا المقام إذا تحقَّق به؛ ظاهرًا وباطنًا، وسَلِم عن نظرِ نفسه إلى مقامه واشتغاله به ووقوفه عنده، فهو فقيرٌ حقيقي، ليس فيه قادحٌ من القوادح التي تحطُّه عن درجة الفقر"؛ أ.هـ.

أخي القارئ:
بناءً على ما سَبَق يتَّضِح لنا أنَّ الإيمان بأنه لا نافع ولا ضارَّ إلا الله، يجعلُنا لا نتردَّد ألبتة في الْمُضي في الطريق بلا تردُّدٍ، بعزيمة وإيمان وقوَّة، ويقين بأنَّ الله غالب على أمره، ومُتِمُّ نوره وناصرُ عباده، ومؤيِّدهم برعايته ورحمته، لا يضر المرء كَيْد الكائدين، ولا تهويل أصحاب الهوى، ولا يغتر بكثرة الهالكين.

وختامًا لبيان زَيف هذه الحجة أقول: إن أهْلَها نسوا أو تناسوا قول الله تعالى: ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الأنعام: 17].

وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((احفظِ الله يحفظْك، احفظِ الله تجده تجاهك، إذا سألتَ فأسال الله، وإذا استعنتَ فاستعنْ بالله، واعلم أن الأُمَّة لو اجتمعتْ على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتَبَه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتَبَه الله عليك، رُفَعَت الأقلام وجَفَّت الصحف))؛ أخرجه الترمذي، (4/ 2516)، وأحمد في مُسنده، (1/ 293)، وإسناده صحيح.

ومِن ثَمَّ، ألا نامتْ أعينُ الْجُبناء الذين تخلَّوا عن تعاليم دينهم؛ جَرْيًا خَلف زينة الدنيا الفانية، وقاتلوا عليها مَن هم على شاكِلتهم، من أجل ماذا؟ لا أدري!! ولا حول ولا قوة إلا بالله العَلِي العظيم.
وللحديث بقية أن شاء الله تعالي

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sayed2015.forumegypt.net
 
كيف أتوب ؟(1)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
هذه دعوتنا :: الكاتب الإسلامي سيد مبارك :: مقالات-
انتقل الى: