هذه دعوتنا

الموقع الرسمي للكاتب الإسلامي سيد مبارك
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورالمنشوراتس .و .جبحـثالتسجيلدخول





الزوار من 4/2018
Hit Counter
صفحات الشيخ علي الانترنت












لرؤية الموقع بشكل مثالي استخدم متصفح
" برنامج فايرفوكس"


بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
من مؤلفات الشيخ المنشورة






من روائع مؤلفات الشيخ








شاطر | 
 

 وسطية الإسلام بين التيسير والتحريم

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الشيخ سيد مبارك

avatar


مُساهمةموضوع: وسطية الإسلام بين التيسير والتحريم   الخميس 1 مارس 2018 - 7:29


وسطية الإسلام بين التيسير والتحريم
إنَّ الحمد لله نحمدُه، ونَسْتعينه ونستغفرُه، ونعوذ بالله من شُرور أنفُسِنا، وسيِّئات أعمالنا، مَن يهدِه الله فهو المهتدي، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله:
أمَّا بعد:
فمِن سماحة الشريعة الإسلامية ووسطيَّتِها إباحةُ المُحرَّمات عند الضرورة.

والضرورة في اللغة - كما قال ابن منظور -: الاضطرارُ والاحتياج إلى الشيء، وقد اضطرَّه إليه أمر، والاسم الضَّرَّة، والضرورةُ كالضَّرَّة، والضِّرارُ: المُضارَّةُ، ورجلٌ ذو ضارورة وضرورة؛ أي: ذو حاجة، وقد اضطرَّ إلى الشيء؛ أي: أُلجِئ إليه، وجاء فيه عن الليث: الضرورة اسمٌ لمصدر الاضطرار؛ تقول: حمَلَتْني الضرورة على كذا وكذا، وقد اضطرَّ إلى كذا وكذا، وأصلُه مِن الضرر، وهو الضيق؛ اهـ[1].

والضرورةُ في الشرع - كما قال السيوطي (في الأشباه والنظائر) -: "الضرورةُ: بلوغُه حدًّا إن لم يَتناوَلِ الممنوع هلَكَ، أو قارب، وهذا يبيح تناولَ الحرام"؛ اهـ[2].

قلتُ: والقاعدة الأصولية: (الضرورات تُبِيح المحظورات) مأخوذةٌ مِن القرآن الكريم في كثير مِن الآيات؛ منها:
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ [الأنعام: 119].

وقوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [البقرة: 173].
ومعنى الاضطرار: الحاجةُ الشديدة.
والمحظور: المنهيُّ عن فعله.

والمقصود منها أن الممنوعَ شرعًا يُباح عند الضرورة، وذلك بشروط؛ ليسوغ تسميتها ضرورةً شرعية، فشريعة الإسلام ووسطيتها تُباح فيها المحظورات، وتُحَل فيها المحرَّمات، بقدر ما تنتفي هذه الضرورات، والضرورة التي تُبيح فعلَ المحرَّم هي كل ما يَلحق العبدَ ضررٌ بتركه، وهذا الضرر يلحق الضروريات الخمس: الدِّين، والنَّفْس، والنَّسل، والعقل، والمال.

ويُؤيِّد ذلك ما ثبت في السُّنة النبوية في أحاديث، أذكر منها على سبيل المثال قولَه صلى الله عليه وسلم: ((لا ضرر ولا ضِرار))[3].
فالأمر إذًا ليس على هوى الناس وميولِهم الشخصية، بل حسب ضوابطَ شرعيةٍ استنبطها العلماء من القرآن والسُّنة، فقد تساهل الكثيرُ مِن الناس في ارتكاب المحرمات والمحظورات بحجَّة الضرورة، وهذا غلوٌّ مَمْقُوت، وجهل محض في فهم النصوص، ومثال على ذلك أن الكثير مِن الناس يضعون أموالهم في البنوك الرِّبَوِية، بزعم الخوف على المال من السرقة، ولا يكتفي بهذه الضرورة، بل يستحل الواحدُ منهم لنفسِه فوائدَها الرِّبوية، باعتبارها حقًّا له، وليست مالًا حرامًا ينبغي تركه والتخلص منه، وكذلك السفر إلى بلاد الكفر والفساد والرزيلة بحجة العمل أو الدراسة، ومعاشرتهم ومصاحبتهم، وما في ذلك من التودُّد لهم وموالاتهم، وليس هذا مِن الضرورات التي تبيح المحظورات كما لا يخفى، وقِسْ على ذلك الكثيرَ مما جعله الناس ضرورةً بالهوى.

وليكن معلومًا أن هذه القاعدةَ الأصولية في الشريعة الربانية مَبْنيةٌ على التيسيرِ، ونفي الحرج، والتخفيف عن الأمة، ورفع الإِصر عنها؛ لهذا كان مِن قواعد أصول الفقه: (لا مُحرَّم مع الضرورة، ولا واجب مع العجز))، وهذا من وسطيتها واعتدالها، وهي من نعم الله علينا، فلا يخلو الإنسان من لحظات ضعف وعجز ولين، ويصبح المحرم من الضرورة التي تحفَظ حياته لطبيعة خلقته، كما قال تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 28].

يقول الشافعي - مبيِّنًا حد الضرورة -: "فيحل ما حرم من ميتة ودم ولحم خنزير، وكل ما حرم مما لا يُغيِّر العقل من الخمر للمضطر، والمضطرُّ الرجل يكون بالموضع لا طعام فيه معه، ولا شيء يسد فورةَ جوعِه من لبن وما أشبهه، ويُبلِغُه الجوعُ ما يخاف منه الموت، أو المرض وإن لم يَخَفِ الموت، أو يضعفه ويضره، أو يعتلُّ، أو يكون ماشيًا فيضعف عن بلوغِ حيث يريد، أو راكبًا فيضعف عن ركوب دابته، أو ما في هذا المعنى من الضرر البيِّن".

ثم أضاف رحمه الله: "وأحب إليَّ أن يكون آكلُه إن أكل، وشاربه إن شرب، أو جمعهما، فعلى ما يقطع عنه الخوفَ ويبلُغُ به بعضَ القوة، ولا يبين أن يحرم عليه أن يشبع ويروى، وإن أجزأه دونه؛ لأن التحريم قد زال عنه بالضرورة، وإذا بلغ الشبع والريَّ، فليس له مجاوزتُه؛ لأن مجاوزته حينئذٍ إلى الضرر أقرب منها إلى النفع، ومن بلغ إلى الشبع، فقد خرج في بلوغه من حدِّ الضرورة، وكذلك الري، ولا بأس أن يتزوَّد معه من الميتة ما اضطر إليه، فإذا وجد الغنى عنه طرَحَه"؛ اهـ[4].

قلت: وبِناءً على ذلك يتبيَّن أن الضرورة تُقدِّر بقدرها، ومن التفريط في الدين إباحةُ المحرَّم بحجة الاضطرار، وليس كذلك، ولكن يبقى التطبيق الشرعيُّ الصحيح لهذه القاعدة الأصولية بإباحة المحرَّم عند الضرورة؛ كحفظ الدِّين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال؛ أي: الضرورات الخمس التي لا تقومُ حياةُ الإنسان إلا بها - دليلًا ساطعًا لكل ذي عين على سموِّ ورقيِّ هذه الشريعة الربانية السمحة، التي تسمو بالنفس البشرية وترفعها لمقامٍ يليق بها؛ لتميُّزِها عند ربِّها عن كافة مخلوقاته عز وجل.

من وسطية الإسلام التيسير عند المشقة والعذر:
لا أُغالِي إن قلتُ: ليس هناك شريعةٌ سماوية يسَّرت أمرَ الدين رِفقًا بالبشر، مِن شريعة الإسلام التي تتميز بوسطيتها واعتدالها في بيان الأوامر والنواهي، منعًا للحرج والمشقة، والأدلةُ مِن القرآن كثيرةٌ؛ منها: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 185]، وقوله تعالى: ﴿ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج: 78].

• ومن السُّنة النبوية ما ثبَت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين قولُه: ((يَسِّروا ولا تُعسِّروا، وبشِّروا ولا تُنفِّروا))[5].

• وما ثبَت عن أبي هريرة أن أعرابيًّا بال في المسجد، فثار إليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دعُوه، وأَهرِيقُوا على بَوْلِه ذَنوبًا مِن ماءٍ، أو سَجْلًا مِن ماء؛ فإنما بُعِثْتُم مُيسِّرين، ولم تُبعَثوا مُعسِّرين))[6]، ومثل ذلك من الأحاديث كثير.

ومما لا شك فيه أن حياة النبيِّ وسُنَّتَه صلى الله عليه وسلم، هي تطبيقٌ عمليٌّ للقرآن، وفي بيان وسطية الإسلام، فقد كان مِن هَدْي النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان في الأمر خيارٌ، أن يختار الأيسر؛ فما عُرِض على الرسول صلى الله عليه وسلم أمرانِ إلا اختار أيسرَهما، ودليلُ ذلك حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "ما خُيِّر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرَهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعدَ الناس منه، وما انتقم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لنفسِه، إلا أن تُنتَهَك حرمةُ الله عز وجل"[7].

وأخيرًا: نُذكِّر كلَّ مَن يريد التشدُّد والغلو والبعد عن الوسطية، بحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الدين يسرٌ، ولن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فسدِّدوا وقارِبوا، وأبشِروا، واستعينوا بالغَدوة والرَّوحة وشيءٍ من الدُّلْجَة))[8].

• قال ابن حجر رحمه الله ما مختصره: "والمعنى: لا يتعمَّق أحدٌ في الأعمال الدينية ويترُك الرِّفق إلا عجَز وانقطع، فيُغلَب، قال ابن المنير: في هذا الحديث عَلَمٌ مِن أعلام النبوة، فقد رأينا - ورأى الناسُ قبلَنا - أن كلَّ مُتنطِّع في الدين ينقطع، وليس المرادُ منعَ طلب الأكمل في العبادة؛ فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدِّي إلى الملال، أو المبالغة في التطوع المُفضِي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته؛ كمن بات يصلِّي الليل كلَّه ويغالب النوم إلى أن غلبَتْه عيناه في آخر الليل، فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، أو إلى أن خرج الوقت المختار، أو إلى أن طلعت الشمسُ، فخرج وقت الفريضة"؛ اهـ[9].

ونُبيِّن هنا بعضًا من الأمثلة لبيان مقصودنا بتيسير الشريعة للأوامر والنواهي رحمة بالعباد في كثير من العبادات والمعاملات وغير ذلك؛ منعًا للمشقة، ورفعًا للحرج، ونطيل بعض الشيء في البيان؛ لأن هذا بابٌ واسع للغلو إن أُسِيء فهمُه، وما أذكره هنا على سبيل المثال لا الحصر، والله المستعان وعليه التكلان:
1- مِن معالم التيسير ورفع الحرج في الطهارة التيمُّمُ عند فقدان الماء أو نقصه:
التيمُّم بالصَّعيد الطاهر بدل الطهارة بالماء عند عدمه، أو عدم القدرة على استعماله؛ كما قال سبحانه: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [المائدة: 6].

2- ومِن معالم التيسير ورفع الحرج في الصلاة قصرُ الصلاة الرباعية في السفر:
لقولِه تعالى: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ [النساء: 101].

ولحديثِ عائشةَ زوجِ النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: "فُرِضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأُقِرَّت صلاة السفر، وزِيدَ في صلاة الحضر"[10].

قال ابن العثيمين رحمه الله ما مختصره: "وقال بعض العلماء: إن قصر الصلاة ينقسم إلى قسمين: قصر عدد، وقصر هيئة، فإذا اجتمع الخوف والسفر اجتمع القصرانِ، وإن انفرد أحدُهما انفرد بالقصر الذي يلائمه، فإذا انفرد السفر صار القصر بالعدد، وإذا انفرد الخوف صار القصر بالهيئة، وإن اجتمعا صار في هذا وفي هذا، وهذه مناسبة جيدة وطلب للعلة والحكمة، ولكن الذي يَفْصِلُ هو قولُ الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إنها صدقة تصدَّق الله بها عليكم، فاقبَلُوا صدقتَه))"؛ اهـ[11].

3- ومن معالم التيسير ورفع الحرج في الصيام أمورٌ؛ أذكر منها:
- تحديد وقت الصيام والإفطار بمدة معينة، وتحريم الوصال، والحث على تعجيل في الإفطار وتأخير السحور، وأدلة ذلك من القرآن قولُه تعالى: ﴿ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ﴾ [البقرة: 187].

• ومن السنة حديث أَنَسٍ رضي الله عنه قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((تَسَحَّرُوا؛ فَإِنَّ في السُّحُورِ بَرَكَةً))[12].
• وحديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: ((لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ))[13].
• ومنها رُفع عن العبد لنسيانٍ أو خطأ وزرُ الإفطار في نهار رمضان، وله أن يكمل صيامه ويُتِمه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه، ودليله حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا نسِي فأكل وشرِب، فليُتِمَّ صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه))[14].

• ومنها عدم الصيام في السفر والمرض للمشقة، والتعويض عند المقدرة وزوال العذر، وأدلتُه من القرآن: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 185].
ومن السُّنة أحاديث كثيرة؛ منها: ((ليس مِن البرِّ الصيامُ في السفر))[15].

4- ومن معالم التيسير ورفع الحرج في الحجِّ الاستطاعةُ الجسدية والمالية، وغير ذلك، ومَن لم يستطع فليس عليه وزرٌ، والفرض مرة واحدة في العمر؛ لِما فيه من مشقة وجهد وبذل المال الكثير، والزيادة عن ذلك نافلة للعبد؛لقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ [آل عمران: 97].

قال العلامة ابن العثيمين رحمه الله: "والاستطاعة نوعان: استطاعة بالبدن، واستطاعة بالمال، فالاستطاعة بالمال شرط للوجوب، والاستطاعة بالبدن شرط للأداء، فإذا كان الإنسان فقيرًا ليس عنده مال، فإنه لا يجب عليه الحج، إذا كان يحتاج إلى راحلة؛ لأنه لا يستطيع، ولو كان بدنه قويًّا، وإذا كان عنده مال لكن لا يستطيع أن يحُجَّ ببدنه؛ لأنه ضعيف كبير أو مريض مرضًا لا يُرجَى بُرؤه، فإنه يجب عليه أن يُقيم مَن يحُجُّ عنه، فالاستطاعة بالبدن شرط للأداء، والاستطاعة بالمال شرط للوجوب"؛ اهـ.

5- من معالم التيسير في العادات النهيُ عن الإسراف في المباحات للضرر:
وهذا من عظمة شريعة الإسلام، فليس التيسير في العبادات فقط، بل يتعدَّاها للمباحات، فييسر على الإنسان المؤمن في قضاء حاجاته الطبيعية؛ من المأكل والمشرب وخلافه، دون سرف ومجاوزة الحد؛ حتى لا يتضرَّر البدن، وحفظًا للصحة والمال مما ليس له فيه حاجة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31].

ومِن الأحاديث قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطنٍ، بحَسْبِ ابنِ آدم أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلبَه، فإن كان لا محالة، فثُلُثٌ لطعامه، وثُلُث لشرابه، وثُلُث لنَفَسِه))[16].

قلت: والإسلام يحثُّ على أن يكون الإنسان وسطًا بلا إفراط أو تفريط؛ حتى لا يُهلِك نفسَه، ويُؤذِيَ صحَّتَه، وقد بيَّن ابن القيم رحمه الله هذا المعنى بكلمات حكيمة، قال ما مختصره: "والفرق بين الاقتصاد والتقصير: أن الاقتصاد هو التوسطُ بين طرفَي الإفراط والتفريط، وله طرفان هما ضدانِ له: تقصيرٌ ومجاوزة، فالمقتصد قد أخذ بالوسط، وعدَلَ عن الطرفين، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 67]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴾ [الإسراء: 29]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأنعام: 141]"[17]؛ اهـ.

6- ومن معالم التيسير في الشريعة ما يتعلَّق بالزواج وآدابه الميسِّرة له؛ مثال ذلك:
• يسَّرتِ الشريعةُ أمرَ الزواج؛ فقد أباحَتِ النظرَ للأجنبية بِنيَّةِ الزواج، رغم تحريم ذلك؛ ليكون الرجل على بيِّنةٍ مِن أمره قبل أن يتزوَّج، فعن جابرِ بن عبدالله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا خطَب أحدُكم المرأةَ، فإن استطاع أن ينظُرَ إلى ما يدعوه إلى نكاحها، فليفعَلْ))، قال: فخطبت جاريةً، فكنت أتخبَّأ لها حتى رأيتُ منها ما دعاني إلى نكاحِها وتزوُّجِها، فتزوَّجتُها[18].

• ومنها ما يخصُّ الطلاق، فقد أباح الله تعالى الطلاق عند الضرر، وجعله بعدَ استنفادِ وسائلَ غايةٍ في السموِّ والرقي للحياة الزوجية واستقرارها؛ من الوعظ، والإرشاد، إلى الهجر في الفراش، إلى الضرب غير المبرِّح؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾ [النساء: 34]، فإن لم تنفَعْ هذه الوسائل، يسَّر الله تعالى أمرَ الطلاق وجعله مراحلَ؛ لعل وعسى أن يتراجَعَ الرجلُ، وهذا يدل على سماحة الإسلام ويسره، ودليل ذلك قولُه تعالى: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾ [البقرة: 229].

• يسَّرتِ الشريعةُ أمرَ الرجوع بعد الطلاق رحمةً بالعباد، فإذا طُلِّقَت الزوجة من الزوج طلقةً رجعية، لفورة غضب أو لأي سبب من الأسباب المباحة له، ثم حدث ندمٌ، فله أن يردَّها لعصمته، ما دامت المرأة في عِدَّتِها دون أي إرهاقات مالية أخرى.

وكفى بجمع شملِ الأسرة، وعدم تشتُّتها، واستقرارِها دلالةً على وسطية الشريعة واعتدالها؛ كما قال تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 228].

وبعدُ، فالشريعةُ الإسلامية قد يسَّرت أمرَ الدين - حلاله وحرامه - على العباد، ما لا يوجد في دين آخر، ولله الحمد والمنَّة.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وآله وصحبه أجمعين.
والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.
------------------

[1] انظر: لسان العرب؛ لابن منظور الأنصاري الرويفعي الإفريقي (4/ 483) - فصل الضاد المعجمة - مختصرًا وبتصرف - نشر: دار صادر - بيروت - الطبعة: الثالثة - 1414 هـ.
[2] انظر: "الأشباه والنظائر"؛ لعبدالرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي، (ص/ 85) - نشر دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى سنة، 1411هـ - 1990م.
[3] انظر: صحيح الجامع الصغير وزياداته "الفتح الكبير"، (برقم/ 13474)؛ لمحمد ناصر الدين الألباني.
[4] انظر: كتاب "الأم"؛ لمحمد بن إدريس الشافعي (2/ 276)، مختصرًا - نشر دار المعرفة - بيروت - لا يوجد رقم الطبعة - سنة النشر: 1410هـ/ 1990م.
[5] أخرجه البخاري (برقم/ 69) - باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخوَّلهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا.
[6] أخرجه البخاري (برقم/ 6128) - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يسِّروا ولا تُعسِّروا)).
[7] أخرجه مسلم (برقم/ 2327).
[8] أخرجه البخاري (برقم/ 39).
[9] انظر: شرح ابن حجر العسقلاني لحديث البخاري في: فتح الباري شرح صحيح البخاري (1/ 95) - الناشر: دار المعرفة - بيروت، سنة الطبع 1379.
[10] أخرجه مسلم (برقم/ 685) - باب صلاة المسافرين وقصرها.
[11] الشرح الممتع على زاد المستقنع؛ لمحمد بن صالح بن محمد العثيمين (4/ 356) - نشر دار ابن الجوزي - الطبعة : الأولى، سنة 1422 - 1428 هـ.
[12] أخرجه البخاري (برقم/ 1923) - باب بركة السحور من غير إيجاب.
[13] أخرجه مسلم (برقم/ 1098) - باب فضل السحور وتأكيد استحبابه، واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر.
[14] أخرجه مسلم (برقم/ 1155) - باب فضل السحور وتأكيد استحبابه، واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر.
[15- أخرجه مسلم (برقم/ 1115) - باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية.
[16] انظر: صحيح الجامع الصغير وزياداته "الفتح الكبير"، (برقم/ 5674)؛ لمحمد ناصر الدين الألباني - نشر المكتب الإسلامي - دمشق - الطبعة الثالثة سنة 1408هـ - 1988م.
[17] انظر: "الرُّوح في الكلام على أرواح الأموات والأحياء بالدلائل من الكتاب والسنة والآثار وأقوال العلماء"، (ص/ 257) - لابن قيم الجوزية - دار الكتب العلمية - بيروت - سنة 1395هـ - 1975م.
[18] حسَّنه الألباني في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (برقم/ 1791) - نشر المكتب الإسلامي - بيروت - إشراف: زهير الشاويش - الطبعة: الثانية 1405 هـ - 1985م.

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/122847/#ixzz4yzkGv7cx

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sayed2015.forumegypt.net
 
وسطية الإسلام بين التيسير والتحريم
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
هذه دعوتنا :: الكاتب الإسلامي سيد مبارك :: مقالات-
انتقل الى: